هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الخميس، ١٩ مارس ٢٠٢٦ - ٣٠ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٢٣:٥٣ القاهرة

رئيس التحرير

محسن سيد

مقالات

د محمد باغه يكتب:الإرث الإدارى فى البيئة العربية حين تتحول المكاتب إلى إرث ثقيل: موروثات الإدارة في البيئات العربية بين القداسة والتجديد

img_preview
كتب : د محمد باغه يكتب الخميس، ١٢ فبراير ٢٠٢٦ في ٢٠:٢٤
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

في كثير من المؤسسات العربية، لا تُدار الأعمال فقط بالقوانين واللوائح، بل تُدار أيضًا بما يمكن تسميته “موروثات الإدارة”؛ تلك القواعد غير المكتوبة، والأنماط السلوكية المتوارثة، والعلاقات الهرمية التي تنتقل من جيل إداري إلى آخر كما لو كانت جزءًا من هوية المؤسسة نفسها.

هذه المواريث لا تظهر في الهيكل التنظيمي، لكنها تسكن داخله. لا تُدرَّس في كتيبات التدريب، لكنها تُمارَس يوميًا. وهنا تكمن المفارقة: بعضها يمنح الاستقرار، وبعضها يتحول إلى قيد يعطل التطور.

الإدارة كامتداد للثقافة لا كوظيفة

البيئات الإدارية في المنطقة العربية لا تنفصل عن السياق الاجتماعي العام. فثقافة احترام الأكبر، وتقديس الخبرة الطويلة، والولاء الشخصي، والحرص على تجنب الصدام، كلها قيم اجتماعية نبيلة، لكنها حين تنتقل إلى الإدارة دون إعادة ضبط، قد تنتج أنماطًا إدارية جامدة.

يتحول المدير إلى “رمز” أكثر منه قائد فريق.

وتتحول القرارات إلى صلاحيات حصرية.

ويصبح السؤال تحديًا، والاختلاف مخاطرة.

ومع مرور الوقت، تتشكل طبقات إدارية تحافظ على نفسها، لا على الأداء.

مركزية القرار: بين الحماية والسيطرة

من أبرز المواريث الإدارية في المنطقة العربية هي المركزية الشديدة.

القرار غالبًا ما يظل حبيس المكتب الأعلى. والسلطات تُفوض شكليًا، لكنها تُسترد فعليًا.

هذه المركزية نشأت في سياقات تاريخية كانت تحتاج إلى إحكام السيطرة، وضبط الإيقاع، وتقليل المخاطر. لكنها في عصر التحول الرقمي وسرعة التغير، أصبحت عبئًا.

المؤسسات اليوم تحتاج إلى سرعة اتخاذ القرار، وتمكين الفرق، وتوزيع المسؤوليات. بينما الإرث الإداري التقليدي ما زال يربط الأمان بالتحكم، لا بالكفاءة.

تقديس الخبرة أم تعطيل الشباب؟

لا شك أن الخبرة ركيزة أساسية في أي منظومة ناجحة. لكن حين تتحول الخبرة إلى حصانة ضد التغيير، يصبح التطوير صعبًا.

في كثير من المؤسسات، يُنظر إلى المبادرات الجديدة بريبة، ويُقابل الطموح أحيانًا بالتشكيك، ويُفسَّر الحماس كتهور. وهكذا تتكون فجوة بين جيل يريد أن يُجرب، وجيل يخشى أن يخاطر.

النتيجة ليست صراع أجيال، بل تباطؤ مؤسسي.

العلاقات الشخصية: سلاح ذو حدين

العلاقات الإنسانية الدافئة إحدى نقاط القوة في المجتمعات العربية. لكنها داخل الإدارة قد تتحول إلى معايير موازية للكفاءة.

حين يصبح القرب من متخذ القرار أهم من جودة الأداء، تفقد المؤسسة ميزتها التنافسية. وحين يُقدَّم الولاء على الإنجاز، تتراجع المعايير.

المشكلة ليست في العلاقات، بل في غياب الأنظمة الواضحة التي تضمن العدالة والشفافية.

هل المشكلة في الثقافة أم في غياب التطوير؟

ليس الهدف من النقد جلد الذات أو تحميل الثقافة المسؤولية. فالثقافة مورد قوة هائل إذا أُدير بذكاء. التحدي الحقيقي ليس في وجود المواريث الإدارية، بل في التعامل معها باعتبارها “ثوابت مقدسة” لا تقبل المراجعة.

الإدارة الحديثة لا تطلب القطيعة مع الماضي، بل إعادة تفسيره.

يمكن احترام الخبرة مع تمكين الشباب.

يمكن الحفاظ على التسلسل الإداري مع تفويض حقيقي.

يمكن تعزيز العلاقات الإنسانية مع فرض معايير موضوعية.

المسألة ليست صراعًا بين الأصالة والحداثة، بل كيفية المزج بينهما.

ماذا يجب فعله؟ توصيات عملية للخروج من دائرة الإرث المعطل

إذا أردنا تحويل المواريث الإدارية من عبء إلى رصيد، فهناك خطوات عملية يمكن البدء بها:

1. إعادة تعريف مفهوم القيادة

من “صاحب القرار الأوحد” إلى “مُمكّن الفريق وصانع البيئة المحفزة”.

2. تبني أنظمة تقييم موضوعية وشفافة

تعتمد على الأداء والنتائج لا على الأقدمية أو العلاقات.

3. تمكين القيادات الوسطى فعليًا

مع تحديد واضح للمسؤوليات والصلاحيات وربطها بالمحاسبة.

4. خلق مساحات آمنة للاختلاف

بحيث يصبح السؤال قيمة مضافة، لا خروجًا عن الطاعة.

5. إدارة المعرفة لا احتكارها

من خلال نقل الخبرات المؤسسية وتوثيقها بدل احتجازها في أفراد.

6. الاستثمار في تدريب القيادات على مهارات الإدارة الحديثة

مثل إدارة التغيير، والحوكمة، والقيادة التحويلية.

فى الختام: بين إرث نحمله… ومستقبل نصنعه

المؤسسات العربية اليوم تقف أمام مفترق طرق. فالعالم لا ينتظر المترددين، والتغير لا يرحم البطيئين. ومواريث الإدارة ليست قدرًا محتومًا، بل خيارات متراكمة.

إما أن نراجعها بوعي وشجاعة، فنُبقي ما يخدم التقدم ونتخلى عما يعطله،

وإما أن نتمسك بها باعتبارها هوية لا تمس، فنجد أنفسنا خارج سباق المنافسة.

الإدارة ليست مجرد ممارسة يومية، بل رؤية للمستقبل.

ومن لا يُجدّد أدواته، سيُدار بواقع لا يختاره.

السؤال لم يعد: كيف كانت تُدار مؤسساتنا؟

بل: كيف يجب أن تُدار… حتى تبقى وتستمر؟

اعلن معنا
Ehtwaa_logo

القاهرة بلس , هو أكبر موقع اخبارى بجمهورية مصر العربية , يقدم أحدث الأخبار المحلية والعالمية على مدار الساعة .

اتصل بنا

العنوان : القاهرة - الدقى - شارع السد العالى
الايميل : cairoplus@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 كايرو بلس - Cairo Plus. جميع الحقوق محفوظة.