عاطف منصور يكتب: البرلمان بين البدايات الرمزية وانتظارات الشارع

عاطف منصور يكتب:
بعد استلام النواب الكارنيهات الرسمية، وانتهاء الإجراءات التنظيمية، وأداء اليمين الدستورية، ثم انتخاب رئيس مجلس النواب والوكيلين ورؤساء اللجان النوعية، ودخول المجلس مرحلة العمل الفعلي، بدأت ملامح دور الانعقاد الجديد تتشكل بين آمال الشارع واختبار الجدية في الأداء.
ورغم اكتمال الشكل المؤسسي للمجلس ومرور النواب بفترة تعريفية وتنظيمية، فإن بعض المشاهد التي صاحبت البدايات الأولى فتحت بابًا للنقاش حول طبيعة الانطلاقة، ومدى تعبيرها عن الانضباط والمسؤولية المطلوبة في مرحلة ينتظر فيها المواطن الكثير من ممثليه تحت القبة.
استخراج الكارنيهات وأداء اليمين لم يكونا أكثر من محطات تنظيمية ورمزية في مسار المسؤولية، لكنها لحظات كان الأجدر أن تعكس وعيًا بحجم التكليف، لا أن تتحول إلى مشاهد استعراضية أو مواقف تُثير الجدل. بعض مظاهر الهرج والمرج التي ظهرت في البدايات، وإن كانت محدودة، تعكس الحاجة إلى ضبط الإيقاع البرلماني منذ اليوم الأول.
اليوم، وبعد اكتمال تشكيل اللجان البرلمانية، وبدء عدد من النواب في تجهيز طلبات الإحاطة، والاستجوابات، وأدوات الرقابة البرلمانية الأخرى، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام برلمان سينتقل سريعًا من الشكل إلى الجوهر؟ أم أن البدايات ستلقي بظلالها على الأداء طوال دور الانعقاد؟
التشكيل النيابي الحالي يضم طاقات كبيرة، خاصة بين شريحة من النواب الجدد، لكنها تحتاج إلى عمل جاد، وتأهيل مستمر، وفهم أعمق لطبيعة الدور التشريعي والرقابي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الصراعات الجانبية التي لا تخدم المواطن ولا الدولة.
الشارع لا ينتظر تصريحات أو صورًا، بل ينتظر نتائج ملموسة: قوانين تمس حياته اليومية، رقابة حقيقية على الأداء الحكومي، وحضورًا جادًا للنائب في قضايا دائرته والوطن. المواطن يريد مجلسًا يضع همومه في الصدارة، ويتعامل مع السياسة باعتبارها مسؤولية لا ساحة استعراض.
وفي هذا الإطار، فإن أي قراءة نقدية للمشهد لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها هجومًا على النواب، بل حرصًا على نجاح التجربة البرلمانية ودعمًا لمسار مؤسسي قوي. دعم النواب واجب، كما أن تهيئة مناخ صحي للحوار داخل المجلس ضرورة وطنية، لأن الاختلاف إذا أُدير بعقل الدولة يتحول إلى قوة، وإذا أُسيء إدارته يتحول إلى عبء.
نحن بحاجة إلى مجلس نواب يضع المواطن في صدارة أولوياته، ويعيد بناء الثقة بين الشارع والعمل السياسي. مجلس يدرك أن المسؤولية لا تبدأ بالكارنيه، ولا تنتهي بالمنصب، بل تُقاس بما يُنجز على أرض الواقع.
وفي النهاية، يبقى الأمل قائمًا بأن يكون هذا المجلس على قدر التحديات، وأن يوفق الله نوابه لما فيه الخير لمصرنا الحبيبة، وأن تتحول هذه البداية إلى مسار جاد لأداء برلماني أكثر نضجًا وتأثيرًا.




